عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

74

اللباب في علوم الكتاب

ولا حاجة إلى هذا ، فإنه لا يصار إلى ذلك إلّا حيث تعذّر أن ينسبك منها ومما بعدها مصدر ، كما إذا اتصلت بجملة اسمية كالبيت المتقدم . و « منكم » في محلّ نصب ؛ لأنه صفة ل « رسولا » ، وكذلك ما بعده من الجمل ، ويحتمل أن تكون الجمل بعده حالا لتخصيص النكرة بوصفها بقوله : « منكم » ، وأتي بهذه الصفات بصيغة المضارع ؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث ، وهو مقصود هاهنا ، بخلاف كون « منهم » ، فإنه وصف ثابت له ، [ وقوله : « فيكم » و « منكم » ، أي : من العرب ، وفي إرساله فيهم رسولا ، ومنهم نعم عليهم عظيمة ؛ لما لهم فيه من الشّرف ، وأن المشهور من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد إلى الغير ، فبعثه اللّه - تعالى - من واسطتهم ليقرب قبولهم . وقوله : « يَتْلُوا عَلَيْكُمْ » فيه نعم عليكم عظيمة ؛ لأنه معجزة باقية تتأدّى به العبادات ، ومستفاد منه مجامع الأخلاق الحميدة . واعلم أنه إن كان المراد بالآيات القرآن ، فالتلاوة فيه ظاهرة . وإن كان المراد بالآيات المعجزات ، فمعنى التلاوة لها تتابعها ؛ لأنّ الأصل في التلاوة التتابع ، يقال : جاء القوم يتلو بعضهم بعضا أي بعضهم إثر بعض ] « 1 » ، وهنا قدم التزكية على التعليم ، وفي دعاء إبراهيم بالعكس . والفرق أن المراد بالتزكية هنا التطهير من الكفر ، وكذلك فسروه . وهناك المراد بها الشهادة بأنهم خيار أزكياء ، وذلك متأخر عن تعلم الشرائع والعمل بها . [ وقال الحسن : « يزكّيكم » يعلّمكم ما إذا تمسّكتم به صرتم أزكياء . وقال أبو مسلم : « التزكية » عبارة عن التّنمية ، كأنه قال : يكثركم ؛ كقوله تعالى : إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [ الأعراف : 86 ] ، وذلك بأن يجمعهم على الحق ، فيتواصلوا ويكثروا ] « 2 » . وقوله : « يُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » بعد قوله : « وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ » من باب ذكر العام بعد الخاص ، وهو قليل بخلاف عكسه . [ وقوله عز وجل : « وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ » بعد قوله : « يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا » ليس بتكرار ؛ لأن تلاوة القرآن عليهم غير تعليمه إياهم . وأما الحكمة فهي العلم بسائر الشرائع التي لم يشتمل القرآن على تفصيلها . وقال الشافعي رضي اللّه عنه : الحكمة هي سنّة الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه . وفي قوله تعالى : « وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ » تنبيه على أنه - تعالى - أرسله على حين فترة من الرسل ، وجهالة الأمم ] « 3 » .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) سقط في ب .